مقالات

وفاء عوض تكتب: “رُحّل”.. على طريق الموت

كثيرة هى الأفلام التى باتت تتناول مأساة شباب الجنوب الذى يحلم بالسفر إلى الشمال عبر ركوب البحر، ليغرق مع أحلامه فى قاع المتوسط، أو تتحطم أحلامه على أرض الواقع فوق أرض الشمال.. لكن مع فيلم كاتب السيناريو والمخرج الفرنسى أوليفيه كوزميك “رُحّل”، أو كما يطلق عليه “نعيمة وأولادها”، نحن أمام طرح مختلف للقضية، فالمخرج ينطلق من مأساة طفولته وصباه، ليصنع مأساة الشباب العربى الذى يحلم بالهجرة لكن بطريقة عكسية.. فقد ولد أوليفيه فى المغرب لأب فرنسى، وبعدما ماتت أمه وهو صبى صغير، فاصطحبه والده فى رحلة عودة نهائية إلى فرنسا، وسط حزن أوليفيه الذى يعشق المغرب.. هذا الحزن والفقد الذى ظل يعتصره على مدى حياته: فقد الوطن الأم.. وفقد الأم فى مرحلة مبكرة من حياته فى آن. لحظة.. هذا كله لم يظهر فى الفيلم، أى أن المخرج لم يعرض سيرته الذاتية على الشاشة، لكنه انطلق منها ليحكى عن المأساة النفسية، والمخاطر التى يتعرض لها المهاجر حين يغادر وطنه الأم.

لكن ما الذى يدفع شباب الجنوب أو المغرب للحلم بالهجرة إلى الشمال؟

هذه هى المعضلة التى يركز عليها الفيلم.. أى أنه يحاول أن يتوجه للشمال برسالة تطرح مشاكل وهموم الجنوب من فقر وبطالة، ومستقبل مظلم لشباب ما زال على أول الطريق وملىء بالحماس والقوة، كما يرى ويشعر أوليفيه بالمغرب الآن.. وذلك من خلال مأساة شخصية الأم نعيمة “جليلة التلمسى”.. الأم المكلومة، التى تفقد اثنين من أبنائها الثلاثة، الذين ربتهم بمفردها، بعدما مات زوجها.

غادر الأكبر إلى فرنسا، وغرق أوسطهم بينما كان يحاول الالتحاق به، لذلك عندما يعرب أصغرهم حسين ١٧ سنة “جمال الإدريسى” عن رغبته فى اتباع الطريق نفسه، بعدما فقد الأمل فى إيجاد عمل بعد الدراسة، تمنعه نعيمة، وتبعده عن مدينة “طنجة”، الباب الساحر المطل على أوروبا، وتقوده نحو الجنوب؛ معتقدة أنها ستمحو فكرة الهجرة من دماغه!.. وفى الحقيقة لم تكن القضية بالنسبة لنعيمة “الأم” هى الاحتفاظ بابنها الثالث بجانبها، لكن خوفها من أن عدم وجوده بجانبها سيؤدى به إلى الموت كما حدث لأخيه.

فى رحلة سفر ساحرة إلى ريف المغرب، يصطحبنا المخرج مع نعيمة وابنها، إلى الطبيعة الخلابة لهذا البلد الجميل الذى كان يوما مطمعا للاستعمار الفرنسى قبل تحريره، على ايقاع الموسيقى التصويرية لآلة البيانو للفنانة “سارة مورسيا”.. لقد أرادت نعيمة برحلتها إلى جذورها أن تربط ابنها بالأرض، أو ربما لأنها كان عليها لكى تستعيد ثقة ابنها فى نفسه وفى بلده أن تستعيد هى حريتها.. وهنا يربط المخرج بين حرية الأم وحرية الوطن.. حسين يقع فى الحب لأول مرة مع ابنة عمه الشابة، لكنه فى ذلك الوقت يتعلق بهوى الفرنسية السائحة، التى يرى فيها حلم الشمال، ليفيق على الواقع المرير.. هو بالنسبة لها كسيجارة تدخنها وتحرقها وترميها غير عابئة، أما ابنة العم التى تكتشف خيانة حسين فتختار هى أيضاً من يحقق لها حلم الهجرة، هذه الإشكالية العاطفية المزدوجة لحسين إنما تبرز كل هذا التناقض الذى يغلى داخله ما بين تعلقه بالوطن الأم وحلمه بالهجرة إلى الشمال، هذا الحلم الذى ليس بالضروره من أولويات ابن الريف البسيط الفخور بريفيته أو ابن العم الشاب الذى رغم ظروفه الصعبة يقول: “سأصبح بخير على أية حال”.

فى الحقيقة فإن الجميع فى رُحّل أوليفيه يملكون دوافع ما للهجرة خارج المغرب، إلا نعيمة التى تمثل هنا الجبهة النسائية التى تحاول جمع شمل أسرتها.. تتحرر نعيمة برقصة جميلة نابعة من الفن الشعبى المغربى البدوى، لتخرج كل ما لديها من طاقة على التحمل والمواجهة أمام جموح شباب ابنها الحالم بالغربة، ليس هذا فقط لكننا نراها تتعلم القراءة لتواجه الحياة بقوة، تلك الحياة التى حملت فيها ابنها صريعا بعدما قذفته الأمواج ميتا على شاطئ بلده بعد غرق المركب غير المؤهل للسفر بفعل فاعل من تجار الموت واستغلال حاجة الشباب للهجرة، وتلك الحياة التى تنتظر فيها، ابنها الكبير الذى يسجن بين قضبان سجون الغربة، ولا تعلم عنه شيئا، لكنها تؤمن بأن هناك مخرجاً لكل شىء.

فالفيلم لم يتعامل مع شخصيات الفيلم كشخصيات درامية، لكنه تعامل معها على كونها شخصيات حقيقية تخرج من صفحات رواية، لذا نراه؛ أى المخرج، يركز على تعبيرات الوجه، كما يحرص على إظهار القوة الإنسانية لأبطاله فى كل مشهد من هذا الفيلم الذى يمكن أن نطلق عليه دراما سوداء، لكن رغم ذلك فإننا مازلنا نشعر بشىء من الرقه والعذوبة يتخلل مشاهد الفيلم حينما يتلو الابن حسين بعض أشعار بودلير أو مع كل تلك المشاهد التى تصور فوق أسطح بيت نعيمة، إذ يصبح تطاير الغسيل المنشور فوق الحبل فى الهواء الطلق، بمثابه رقصة للحرية.. وفى الوقت ذاته تعبير يعكس بشكل شفاف وضع الإنسان التائه المعلق بأحلامه بين السماء والأرض فى مهب الريح والبعيد عن جذوره، إنسان بلا سقف يحميه ويلتحف الفضاء.

يعود حسين مع أمه إلى طنجة بعد فشله فى الاندماج والتكيف مع مجتمع الريف، ويعود الابن الأكبر من سجنه بالغربة خالى اليدين، مرهقاً، يرمى بنفسه إلى حضن أمه وأخيه الصغير، وما زلنا نتساءل: من يحتاج من؟ هل الأخ العائد يحتاج وطنه، أمه.. أم الأخ الأصغر يحتاج أخاه ليفهم أنه ليس دائما بالغربة يسكن الخير؟!

لقد نجح أوليفيه فى أن يضع الغرب بهذا الطرح فى وضع الغرب فى مواجهة صريحة مع نفسه فيما يحدث فى الشاطئ الآخر من المتوسط ودوافع الهجرة بعين أهل الشمال أنفسهم، فيما يرى أوليفيه نفسه أننا احيانا ينبغى أن نذهب إلى مكان آخر لتجنب التحدث عن أنفسنا، فما يحدث على الجهة الأخرى للشباب لا يحدث فى المغرب فقط.. لكنه يحدث فى العديد من بلدان العالم من جميع الجهات، يحاول الناس الهروب من واقعهم، لكنه – أى أوليفيه – ما زال يود فى عالم مثالى فى المستقبل، أن يسأل الجميع أين يريدوا أن يكونوا؟

وفى النهاية أقول: غريب أمر هذا القدر.. الفيلم الذى رفع فى وجهه مهرجان طنجة خلال دورته الأخيرة حق “الفيتو” للمشاركة فى المسابقة الرسمية، بقرار شرطة صارمة بمحكمة تفتيش داخل كواليس المهرجان، وسحبت منه جنسيته المغربية، لأن مخرج الفيلم فرنسى الجنسية، ربما كان “وطنيا” أكثر من أفلام مغربية صورت المغرب برؤية فلكلورية وفانتازية.. فيلم “رحّل” أو “نعيمة وأولادها” فاز فى المهرجان الدولى لسينما البحر الأبيض المتوسط بالإسكندرية الأخير بثلاث جوائز “استحقاق” ستكتب باسم رصيد السينما المغربية وليس باسم المخرج الفرنسى (جائزة “فاتن حمامة” لأحسن دور نسائى لجليلة التلمسى، وجائزة “يوسف شاهين” لأحسن إخراج لأوليفيه كوسماك، ثم الجائزة الكبرى للمهرجان).

أما محمد نظيف المخرج الذى شارك فى هذه المغامرة “إنتاجا” فهو يحمل الوطن فى قلبه رغم أنه لم يوقع اسمه فى فيلم سافر بنا من طنجة العالية، إلى تخوم مدن وقرى المغرب الشرقى عبر كاميرا “شاعرية” للمخرج الفرنسى أوليفيه كوسماك.. لكننا شاهدناه فى دور البقال الجميل. أما طاقم العمل من الشباب الذى اختاره المخرج من الوجوه الجديدة التى ربما تقف أمام الكاميرا لأول مرة من المغاربة، فقد كان موفقا ومقنعا بالفعل، ويظل من نقاط قوة الفيلم، إلى جانب دور نعيمة المحورى الذى لعبته جليلة التلمسى باقتدار.

نبضة مسافرة

«أنا غريب فى هذا العالم.. أفكر فى وطن سحرى لا أعرفه..  وسأظل غريباً حتى تخطفنى المنايا وتحملنى إلى وطنى»   ..

«جبران خليل جبران »

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى