مقالات

فريدة الشوباشى تكتب … شيزوفرينيا

فى كل يوم يتأكد للراصد والمتابع لأمور بلدنا، أننا نعيش حالة شيزوفرينيا، أى انفصام شخصية مدمر وهذا أقل ما يمكن أن توصف به أوضاعنا الراهنة.. فالدولة تتبنى سياسة قدسية التراب الوطنى والدفاع عنه، حتى بالحياة ذاتها، وهو ما نراه مجسدا فى تضحيات شهدائنا الأبطال.. فالوطن هو الأرض والعرض والحضن والملاذ.. هذا ما تربينا عليه ونشأنا نؤمن به جيلا بعد جيل، نردد: الله، الوطن..! ولكن فى العقود الأخيرة ظهر «مفهوم» يتناقض جذريا مع مفهومنا المتوارث منذ عهد الفراعنة العظام، والعابر لكافة حقب الخيانة أو العمالة، حيث كانت أصوات أصحاب هذه المواقف خافتة، تصدر على استحياء خوفا من عقاب المصريين لها، حتى قبل أن تتحرك الدولة.. لكن بعد أن عاصرنا جميعا حقبة استيلاء جماعة الإخوان على السلطة وسيطرتها على كافة وسائل الإعلام، ناهيك عن المنابر والمدارس، بما فيها دور الحضانة حيث نجد طفلة دون السادسة من العمر، ترتدى الحجاب، انقلبت الأوضاع رأسا على عقب، حيث تدنت معهم فكرة الوطن ومفهوم المواطنة وأخذت فرق من هؤلاء تخرج لنا أفكار وأقوال قادتهم بما فى ذلك أشرسها عداء للوطن ومفهوم المواطنة، مثل قول سيد قطب: ما الوطن إلا حفنة من تراب عفن!!!.. وزاد مرشد الجماعة الراحل مهدى عاكف الذى صاح بعلو صوته: طظ فى مصر واللى فى مصر، أنا ما يهمنيش واحد ماليزى يحكمنى مادام مسلم!!!.. وهنا لا بد من وقفة طويلة.. ماذا ننتظر من شباب يسمع ويلمس يوميا أن مصر فى حالة حرب شرسة مع أكثر من عدو ولابد بالتالى من التعبئة العامة دفاعا عن أرض الوطن ولو كان الثمن التضحية بالحياة ذاتها وفى نفس الوقت يكتشف «عظمة» تراث البنا وسيد قطب وعاكف وغيرهم، الذى يُحط من قدر الوطن، هابطا به إلى الدرك الأسفل، وبأنه مجرد تراب عفن، ويُفرغ قيمة الوطن باستدعاء، واحد ماليزى لحكمه، مادام مسلما!!!..

لمن ينتصر الشباب هنا وهو تائه بين فداء الوطن بالدماء، وبين العبث به إلى حد أن يكون مجرد «حفنة» من التراب، وفوق ذلك «العفن»!!!.. لا شك أن شبابنا، أو على الأقل جزءا كبيرا منه ممزق بين الانتماء للوطن والانتماء لأى حاكم أجنبى ما دام مسلما، ويكفى أن علم بلادنا الوطنى بات محاطا، إلىحد الاختناق، بأعلام تنظيمات «إسلامية» لا نعرف كنهها أو أصحابها الحقيقيين، ومن ثم فلا مجال هنا للتضحية بالروح والدم دفاعا عن أرض لا قيمة لها.. فى ظل هذا الوضع الغريب، لا يندهش أحد من ضياع البوصلة، والبحث عنها بأسرع ما يمكن، لم يعد يحتمل التأجيل.. إن شباب مصر مسؤوليتنا جميعا وفى كافة المجالات.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى